فخر الدين الرازي

101

تفسير الرازي

الثاني : أن المقام مصدر كالقيامة ، يقال : قام قياماً ومقاماً ، قال الفراء : ذلك لمن خاف قيامي عليه ومراقبتي إياه كقوله : * ( أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت ) * ( الرعد : 33 ) . الثالث : * ( ذلك لمن خاف مقامي ) * أي إقامتي على العدل والصواب فإنه تعالى لا يقضي إلا بالحق ولا يحكم إلا بالعدل وهو تعالى مقيم على العدل لا يميل عنه ولا ينحرف البتة . الرابع : * ( ذلك لمن خاف مقامي ) * أي مقام العائذ عندي وهو من باب إضافة المصدر إلى المفعول ، الخامس : * ( ذلك لمن خاف مقامي ) * أي لم خافني ، وذكر المقام ههنا مثل ما يقال : سلام الله على المجلس الفلاني العالي والمراد : سلام الله على فلان فكذا ههنا . ثم قال تعالى : * ( وخاف وعيد ) * قال الواحدي : الوعيد اسم من أوعد إيعاداً وهو التهديد . قال ابن عباس : خاف ما أوعدت من العذاب . واعلم أنه تعالى ذكر أولاً قوله : * ( ذلك لمن خاف مقامي ) * ثم عطف عليه قوله : * ( وخاف وعيد ) * فهذا يقتضي أن يكون الخوف من الله تعالى مغايراً للخوف من وعيد الله ، ونظيره : أن حب الله تعالى مغاير لحب ثواب الله ، وهذا مقام شريف عال في أسرار الحكمة والتصديق . ثم قال : * ( واستفتحوا ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : للاستفتاح ههنا معنيان : أحدهما : طلب الفتح بالنصرة ، فقوله : * ( واستفتحوا ) * أي واستنصروا الله على أعدائهم ، فهو كقوله : * ( إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ) * ( الأنفال : 19 ) . والثاني : الفتح الحكم والقضاء ، فقول ربنا : * ( واستفتحوا ) * أي واستحكموا وسألوه القضاء بينهم ، وهو مأخوذ من الفتاحة وهي الحكومة كقوله : * ( ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ) * ( الأعراف : 19 ) . إذا عرفت هذا فنقول : كلا القولين ذكره المفسرون . أما على القول الأول فالمستفتحون هم الرسل ، وذلك لأنهم استنصروا الله ودعوا على قومهم بالعذاب لما أيسوا من إيمانهم : * ( قال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً ) * ( نوح : 26 ) وقال موسى : * ( ربنا اطمس ) * ( يونس : 88 ) الآية . وقال لوط : * ( رب انصرني على القوم المفسدين ) * ( العنكبوت : 30 ) وأما على القول الثالث : وهو طلب الحكمة والقضاء فالأولى أن يكون المستفتحون هم الأمم وذلك أنهم قالوا : اللهم إن كان هؤلاء الرسل صادقين فعذبنا ، ومنه قول كفار قريش : * ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ) * ( الأنفال : 32 ) . وكقول آخرين * ( أئتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين ) * ( العنكبوت : 29 ) . المسألة الثانية : قال صاحب " الكشاف " : قوله : * ( واستفتحوا ) * معطوف على قوله : * ( فأوحى إليهم ) * وقرئ واستفتحوا بلفظ الأمر وعطفه على قوله : * ( لنهلكن ) * أي أوحى إليهم ربهم ، وقال لهم : * ( لنهلكن ) * وقال لهم * ( استفتحوا ) * .